ثقافة

صناعة الفخار البلدي بدوار عين بو شريك، سطوة النساء، ورائحة الأجداد

كلّ العالم تغير من حولهن، إلّا أن نساء دوار عين بو شْريك التابع للنفوذ الترابي لجماعة أورتزاغ بإقليم تاونات، تشبّثن بمهنة تربين عليها منذ نعومة أظافرهن، وورثن أصولها عن أمهاتهن وجداتهن. وتعتبر الصناعة الفخارية بعين بو شريك ، من أقدم الصناعَات التقليدية العريقة التي توارثتها أزيد من 32 أسرة عبر قرون، وتتميز بلونها الطبيعي نظرًا لما توفره مناجم عين بو شريك من تربة طينية مميزة وغنية ومشهود لها بالصلابة، وكذا احتفاظها بروح الصنعة من خلال استخدام الأساليب التقليدية المتوارثة، واعتمادها على أنامل النساء في كافة مراحل السلسلة الإنتاجية.

و يتميز دوار عين بو شريك بصيت فاق الحدود داخل المغرب وخارجه في صناعة الفخارِ البلدي، هذا التراث الذي استقر و تطور بالمنطقة منذ قرون. كما تعتبر هذه الصناعة التقليدية مدعاة للفخر بالنسبة للساكنة المحلية، إذ شكلت عبر التاريخ مصدرا أساسيا من مصادر قوت العيش، وتحتل نساء عين بو شريك دورًا اجتماعيا هامّا من حيث تشغيل اليد العاملة بصفة مباشرة أو غير مباشرة، فما أن يُذكر اسم دوار عين بو شريك إِلَّا و يُثنى على أهله بهذا الفن التقليدي الذي أصبح يشكل نقطة جذبٍ لأفواج من السياح الأجانب الذين يتوافدون على المنطقة من مختلف أنحاء العالم، لتعلم و اكتساب مهارات صناعة الفخار البلدي، أو من أجل اقتناء بعض القطع المعروضة للبيع.

وتعودت النساء بعين بو شريك على مشقة التوجه إلى المناجم المتواجدة بالجبل القريب، لجمع الطين الصالح للعجن، ثمّ نقله إلى الورشة بواسطة استخدام الدواب، حيث تعملن على ضربه بواسطة عَصًا لسحقه و تنعيمه وتنظيفه من الشوائب العالقة، وبعد ذلك القيام بغربلته ليصبح ناعما كالدّقيق، وتبليله، وتنشيفه تحت أشعة الشمس، ثم تركه ليخمر في درجة مناسبة من الرطوبة ليلة كاملة، وصبيحة اليوم التالي تصبح العجينة أكثر جاهزية للخلط، وقابلة للتّشكيل والقولبة من خلال استئصال قطع من عجين الطين ، وتسطيحها بالأيدي، فتصبح بمثابة قعر الآنية المزمع صنعها، ثُم يُشرع في قولبة لفافات أُخرى تلصق بقعر الآنية، وتصفف الأخرى فوقها. أما الأسلوب الثاني فيعتمد على عملية التجويف الداخلي باليدين في تشكيل جوف قطعة الفخار بواسطة الضغط على قطعة الطين من الأسفل نحو الأعلى، و لف الأسطوانة التي يتواجد الطين عليها، وتستمر هذه العملية حتى الوصول إلى الشكل المطلوب. قبل أن يتمّ تجفيف الأوان المصنعة لبعض الوقت و تحريقها، وهي العملية التي تهدف إلى جعل الآنية متماسكة و أكثر صلابة وقابلة للاستعمال في الطبخ. ومن أكثر الأوان الفخارِية التي يتم تشكيلها يدويا، الكانون المعروف ب ” المجمر”، وَ الطاجِين، والخابية، وَ القَصْعة، والقدر، والطانجية، والكنبورة، والمزهريات المخصصة للنباتات المنزلية، وأوانٍ منزلية مخصصة لطهي الطعام وحفظ المياه، منها ما تزدهر تجارتها قبيل حلول عيد الأضحى المبارك، ومنها ما تزدهر إبان حلول فصل الصيف، حيث يتحول دوار عين بو شريك إلى قبلة للسياح الأجانب خاصة من الدول الأوروبية، و الذين يحجون إلى المنطقة لاكتشاف وتعلم هذه الحرفة العريقة التي تشكل رمزا من رموز الهوية المغربية الضاربة جذورها في أعماق التاريخ..

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق