عماد العزابي طالب باحث يفكك تحولات منظومة قيم المجتمع المغربي

يعيش المغرب على إيقاع تحولات قيمية عميقة  مست جميع الحقول والمجالات، بيد أنه و  بالرغم من عمق هذه التحولات القيمية التي عرفها المجتمع المغربي، فإن  المتابعة العلمية والأكاديمية خصوصا السوسيولوجية منها، بقيت شبه غائبة، ولم تستطع أن تبلور نموذجا تفسيريا لفهم وتحليل مختلف هذه التحولات و المتغيرات. مما يجعلنا نتساءل عن سبب هذه الأزمة التفسيرية للعلوم الاجتماعية، وللسوسيولوجيا تحديدا؟ وما هي مختلف التحديات وكذا الرهانات، التي يمكن التفكير فيها مستقبلا لتكون السوسيولوجيا مفيدة وتقدم للمجتمع حلولا لمختلف الإشكالات المطروحة.

الطالب الباحث بسلك الماستر في سوسيولوجيا العالم القروي عماد العزابي في مقال  حصري  له على موقع سلاس بريس معنون ب ” التحول القيمي ”  يرصد أهم هذه التحولات القيمية التي شهدها المجتمع المغربي، و يسعى  إلى أن يساهم، ولو في حدود دنيا، إلى  توسيع دائرة الاهتمام بدراسة مختلف الظواهر الاجتماعية في شموليتها وكليتها، وفق نماذج نظرية مبنية على مفهمة تعميمية ذات صيغة مقارنة ، مدافعاً بالأساس عن  القيم كعنصر أساسي في توليد المعرفة وتطورها على باقي الحقول المجتمعية لكونها أداة للتواصل الثقافي بين الشرائح الاجتماعية، وهي الضامن الأساسي لتجاوز الثنائيات و النزعة العرقية.

عماد العزابي و التحول القيمي

مند قدم التاريخ و القيم حاضرة و لصيقة بالأفراد، إذ هي الموجه الأساس لسلوكاتهم، وهي الميزان الذي من خلاله نقيس تصرفاتهم داخل المجتمع.  تختلف هذه القيم من مجتمع إلى أخر وذلك بحسب طبيعة المجتمع و المرجعية التي تحكمه، فالقيم ليست ثابتة بل متغيرة ومتطورة، إلا أن هذا التطور محكوم بخصوصية كل بلد على حدى، بالإضافة إلى عقلية الفاعلين ووعيهم، ويعد موضوع القيم في حياتنا المعاصرة من المواضيع الحساسة التي تستلزم من الباحث السوسيولوجي الإلمام التام بالظواهر الاجتماعية في شموليتها وكليتها، وفق نماذج نظرية مبنية على مفهمة تعميمية ذات صيغة مقارنة. فهل بالفعل نحن في تحولات؟ أم تغيرات؟ أم نحن أمام انتقالات في مجال القيم و فقط؟

إن القيم عنصر أساسي في توليد المعرفة وتطورها على باقي الحقول المجتمعية لكونها أداة للتواصل الثقافي بين الشرائح الاجتماعية وهي الضامن الأساسي لتجاوز الثنائيات و النزعة العرقية، إذ يتميز المجتمع المغربي بالتفاوت على مستوى القيم و ذلك انسجاما و السيرورة التاريخية التي شهدها على اعتبار أن المجتمع المغربي دائما ما يتم تقسيمه إلى مرحلة ما قبل الاستعمار و مرحلة الاستعمار ثم مرحلة ما بعد الاستعمار، هذا يحيلنا بشكل جدلي على سجل من قيم تقليدية و أخرى حداثية مع الحكم على القيم التقليدية بالتراجع أمام زحم القيم الحديثة. فما هي العوامل الفاعلة في هذا التحول ؟ و ما هو مستقبل المجتمع في ظل التحولات القيمية ؟

بمجرد موضعتنا للقيم بين التقليد و الحداثة نتج عنه إنتاج أحكام قيمية متنوعة ومتضاربة بين المحافظة و التجديد، بين الضلامي و المتنور،بين الرجعي و التقدمي، هذه الصراعات الاجتماعية جرفت المجتمع  نحو مستنقع من  العنف و الكراهية المتبادلتين، و اللذان سيشكلان فيما بعد أحكام قيمة وأحكام قيمة مضادة لها، الشيء الذي أدى إلى عدم القدرة على التمييز بين التعارضات القائمة بين التقليدي و العصري، وإن خير مثال على هذا التشابك و التعارض المزعوم هو الخلاف السياسي الذي جمع بين كل من علال الفاسي ” التقليدي” و محمد بالحسن الوزاني” العصري” وما رافقه من انشقاق في الحركة الحزبية المغربية.

إن قراءة النسق القيمي المغربي دائما ما يستوجب استحضار الحدث الاستعماري و مدى  تأثيره على منظومة القيم التي يتعايش فيها التقليدي مع الحداثي بشكل معقد و مركب، فالصراع اليوم هو صراع و تنافس بين  من يملك السلطة و المال، و القيم، فقد ورث المجتمع المغربي بعد حصوله على  الاستقلال خزانا مهما من القيم التقليدية التي تتوسط العلاقات بين الأفراد، إذ يعتبر الدين و العرف و التقليد الموجه الأساس لسلوك الفرد في علاقته مع النسق الاجتماعي تحت نظام أخلاقي مطبوع بسجل ثقافي تقليدي يمرر بشكل عمودي ضمن التشكيلة الاجتماعية، فالأسرة هي المؤسسة الأولى التي ترعى القيم وتعيد إنتاجها عبر الحفاظ على التنظيم التقليدي المتمثل في الأسرة الممتدة، و الخضوع التام لسلطة لأب من خلال القيمة  الرمزية لي  “الرضا الأبوي”،فرضى الوالدين قيمة أخلاقية يبحث عنها الكل. لكن المجتمع المغربي المعاصر  وجد نفسه في مسلسل طويل  من التفاوض حول القيم التي يمكن من خلالها التعبير عن مختلف الظواهر الاجتماعية المحيطة به، بحيث ساهمت عوامل عديدة في تطور النسق ألقيمي عبر إضافة قيم جديدة، كالقيم العالمية المتفق عليها كونيا مثل المساواة بين الرجل و المرأة و حرية التعبير و الديمقراطية…. هذا الوضع جعلنا في ازدواجية بين عصرنة المؤسسات و تقليداوية العلاقات.

إن الواقع الاجتماعي في حالة تغير  و تفاعل مستمر  وغير قابل لأن يظل خاضعا لمقاربات سكونية، فمنظومة القيم لم تحافظ على نفس الخصائص التي ميزتها خلال مرحلة معينة من التاريخ، بل هي في حالة تحولات جوهرية بدأت أساسا بالانتقال من قيم تقليدية إلى أخرى عصرية تتسم بنوع من التركيب و التعقيد مع جملة من القضايا و الوقائع، مما فتح الباب أمام نظام رمزي للقيم ليبسط هيمنته  على إنتاج وإعادة إنتاج الفعل الاجتماعي.

لا يختلف اثنان في كون المجتمع المغربي عرف تحولات عديدة في مختلف مناحي الحياة، أعاد معها تشكيل الكثير من العلاقات،  خاصة على مستوى  تراجع المؤسسات التقليدية لصالح خيارات عصرية مرتهنة دائما إلى الأداء  التقليدي، فالتحول المؤسساتي لا يسير  بنفس تحولات العلاقات و المعتقدات التي تبدي في الغالب مقاومة أشد تجاه كل فعل تحولي.

فالانتقال من المخزن إلى الدولة لم يكن بتلك الشاكلة المألوفة، بل كان محكوم بصراع دائم بين قوى سياسية،  خاصة الصراع بين المعارضة و الدولة المركزية التي ما فتئت تتخذ جهدا في ردع كل المعارضين لها، مما تمخض عنه بروز ازدواجية في المواقف بالنسبة للمعارضة، فعندما تريد الاقتراب من النسق السياسي السلطوي توظف كلمة “الدولة”، أما عندما تكون في حالة تخاصم و نزاع تلجأ إلى توظيف كلمة ” المخزن” أي وجود مؤسسات عصرية لكن لصيقة ببعض الممارسات و العلاقات التقليدية المتجدرة في التاريخ وذلك وفق الرهان في تدبير  القيم في سياق الراهن.

هناك علاقة جدلية بين تطور الواقع الاجتماعي و تحول القيم بحيث أن الأول يؤثر في الثاني عبر نشوء قيم مستحدثة مثل التحرر و مشاركة المرأة في السياسة مع استمرار القيم التقليدية في الزواج و التضامن الأسري، الشيء الذي جعل اتجاهات جديدة تطفوا إلى السطح داخل المجتمع المغربي تدمج بين التقاليد و الحداثة ومحاولة تحقيق الانسجام بينهما وخاصة من حيث الممارسات الاجتماعية، مما يدعونا إلى القول أن هذه القيم أصبحت أكثر هجانة، و بالتالي فإن الأفراد يتصرفون وفق الوضعيات و الحالات التي يجدون أنفسهم فيها، فكل وضعية  تفرض تبني قيم معينة،أي أن الفرد يختار القيم التي سيستعملها وفق إستراتيجية محددة مسبقا.

اترك تعليقاً