عماد العزابي : نهضة العالم القروي لن تتحقق إلا ببناء دولة عصرية تؤسس لمجتمع محلي يتنفس عبير التنمية.

 يسافر الطالب الباحث عماد العزابي من مدينة  فاس إلى قرية سلاس، حيث أهله وعشيرته، لينتقل في رحلة معاكسة من قلب مختبرات كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالسايس إلى مسقط رأسه، يقتفي من خلالها  أثر التناقضات والصراعات التي وسمت تطور العلاقة بين الفاعليين في مجال التنمية المحلية في علاقتهم بمؤسسات صناعة القرار، بنوع من التقريع الاستفهامي الهادئ الذي يخفي من وراءه حجم المعضلات الاجتماعية  التي وقفت سدا منيعا في وجه  نمو و ازدهار العالم القروي منذ فجر الاستقلال.

و يتخذ الطالب الباحث في سلك الماستر من جماعة أورتزاغ بنواحي تاونات، مجالا خصبا لطرح القضايا الجوهرية للتنمية المحلية،  و البحث في الخطوات والمقاربات المتعلقة بتنفيذ الخطط و البرامج التنموية.

المجتمع المدني و التنمية أية علاقة ؟؟

 يرى الباحث الشاب  في  سوسيولوجيا المجالات القروية و التنمية أن ” المجال المحلي هو المجال الأمثل لطرح القضايا الجوهرية للتنمية،  و البحث في الخطوات والمقاربات المتعلقة بتنفيذ الخطط و البرامج التنموية.  كما يعد  مختبرا حقيقيا لفحص وتقييم مدى ملاءمة النظرية مع الممارسة، على اعتبار أن النقاش الدائر حول رهان تحقيق التنمية القروية انبثق  مند فجر الاستقلال و استمر  إلى يومنا هذا  وذلك بالنظر إلى ما يطرحه هذا الموضوع من إرهاصات و تحديات لدى مختلف الفاعلين المحليين المتدخلين في مجالات التنمية.

و اعتبر بن دوار الدكارة  نواحي أورتزاغ في مقالة معنونة ب ” المجتمع المدني و التنمية أية علاقة ؟؟ ” – توصل بها بريد موقع سلاس بريس – ”  أن خطابات  المؤسسات الرسمية و الفاعلين و المنابر الإعلامية   على حد سواء إبان هذه المرحلة ارتكز  أساسا في توجيهاته و تدخلاته على مفهوم التنمية المحلية باعتباره  امتداد  لتوجه عام بدأ يتقوى في مختلف أنحاء العالم بغرض تحقيق نمو اقتصادي و اجتماعي و  سياسي و ثقافي… للتقليص  من الفوارق الاجتماعية و المجالية، و التأسيس  لمجتمع  حداثي أكثر عدالة و ديمقراطية.  وهنا نساءل الفاعلين المتدخلين في مجالات التنمية المحلية عن مدى استجابتهم لهذه  الدينامية  و عن مدى   نجاحهم في  تحقيق الأهداف المرجوة ؟؟

و أضاف ابن الأربعة و عشرين ربيعا في مقالته  متسائلا ” إذا كان المجتمع المدني المغربي  مع دستور 2011  أضحى يضطلع بأدوار  طلائعية وحاسمة على مستوى اقتراح و متابعة و تقييم  السياسات العمومية، بالإضافة إلى كونه يعد مدرسة للتربية على قيم المواطنة و  الحرية و الديمقراطية و حقوق الإنسان و بالتالي فهو قنطرة العبور لتقدم المجال القروي واستفادة الساكنة المحلية من الحاجيات الأساسية التي تضمن لهم العيش الحر و الكريم، هل فعلا يمكننا الحديث  عن مجتمع مدني  حقيقي قادر على تفعيل هذه الصلاحيات الدستورية ؟؟  و على الترافع لدى صناع القرار على مختلف القضايا الجوهرية  التي تستأثر باهتمام الساكنة المحلية نحو تحقيق  مستويات أفضل تضع المواطن القروي في صلب العملية التنموية؟؟؟  أم أن الوضع بقي على ما هو عليه، و  لن يتغير بتغير القوانين و الدساتير  لكون  القواعد التي تحكم عمل  المجال المحلي و كذا  الفاعلين المتدخلين في التنمية المحلية  تبقى هي نفسها دون أن تتزحزح  بالرغم من كل  الصلاحيات  الدستورية المتقدمة؟؟؟

الطالب الجامعي  خريج كلية الآداب و العلوم الإنسانية بفاس سايس سنة 2019  أوضح أنه ” بالحديث عن  المجتمع المدني فإننا نتحدث عن مفهوم يحظى باهتمام واسع من لدن كافة الشرائح الاجتماعية و الاقتصادية والسياسية والثقافية… حتى أضحى شريكا استراتيجيا للدولة،  وتطور بفعل التحولات العميقة التي شهدتها المجتمعات العالمية وخاصة المتقدمة منها، كونها كانت سباقة إلى التغيير  و إلى إعادة صياغة  دور المؤسسات و الفاعلين، من خلال الانتقال من الحكم المركزي إلى نظام جهوي يعتمد على  إشراك متدخلين محليين في هيكلة الدولة، و من هنا أصبح المجتمع المدني يتبوأ  المكانة الجديرة به  ليكون شريكا ضروريا لا محيد عنه في عملية مأسسة السلطة، مبرزا في السياق ذاته ” أن  خيار اللامركزية عبر توزيع السلط على مؤسسات  تعمل في ميادين مستقلة عن سلطة الدولة، من شأنه أيضا   توحيد المجتمع هوياتيا عبر جعل جميع الأفراد يشاركون في بناء التنمية بعدما جعلتهم الصدمة الكولونيالية يفتقدون لتوازناتهم، الشيء الذي أدى إلى إنتاج تجمع قديم وأخر جديد،  الأول يهدف إلى قيم التسامح و المساواة، و الثاني يدافع عن قيم السوق و الربح و المنافسة… وفي خضم هذا و ذاك برزت أهمية الفاعل الجمعوي في العملية التنموية،  ليقتصر دور الدولة على ضبط  تفاعلات المجتمع،  و السهر على تفاوضات الأطراف المتداخلة، إذ أصبح رهان الكل هو إنشاء جمعيات تنموية بالمناطق القروية و الشبه حضرية بهدف تحرير الطاقات البشرية المحلية من كل القيود، و تزويدها بالوسائل الضرورية الكفيلة بتمكينها من الاستثمار العقلاني للموارد المحلية  بهدف  إحداث تغيير إيجابي  في ثقافة و نظم  القيم و العلاقات بين أفراد المجتمع المحلي.

 إن انتشار  الجمعيات وتوسعها كان نتاجا لتصور سياسي دولي بالأساس “علاقة المركز بالمحيط”  يضيف الطالب الجامعي ” كما أن تقديم مساعدات وتمويلات مادية أدى إلى إفراغ تنظيمات المجتمع المدني من جوهر وجودها، خاصة على مستوى  طابعها  الاحتجاجي و النقدي  للأوضاع  التي كانت تتميز به، إذ أن المجتمع المدني في الدول المتقدمة بعيد عن هذه الممارسات، و وجد فقط من أجل أن يقوم بدور الوساطة  بين تطلعات المجتمع و رهانات  الدولة عبر إيصال صوت المواطنين ومطالبهم إلى صناع القرار المركزي، كما يسهر  على تتبع جميع السياسات التنموية المنجزة في البلاد ويعمل أيضا على المشاركة في بلورتها من خلال تنظيمه لفعاليات اجتماعية تعكس نبض الواقع المعاش، لكن هل هذا التصور  موجود في مجتمعنا؟  و هل بالفعل نجحت الدولة في إعطاء  الفرصة للمجتمع المدني ليدلي برأيه حول مختلف الرهانات المستقبلية المطروحة في النقاش العمومي ؟؟؟ مبرزا أنه ” أمام تنامي الشعارات الرنانة من قبيل مغرب الغد و مغرب الديمقراطية.. يظهر العالم القروي بتناقضاته و تشعباته بعيدا كل البعد عن هذه الشعارات، ليفضح الواقع ويكشف المستور من خلال ممارسات  كانت ولا زالت مستمرة رغم تغير الأزمنة و الدساتير.

 إن التنمية هي رهان الدولة و المجتمع ككل يقول الطالب الباحث ”  و إنما ما هي السبل التي ستقودنا إلى تحقيق رهان التنمية الذي يبتغيه الجميع أفراد ومؤسسات ؟  هل بالعودة إلى حنين الماضي عبر القبيلة التي كانت تنتج نخبها بنفسها وتسهر على تدبير شؤونها و العمل على استمراريتها سواء في وقت الحرب أو السلم، وتضمن شروط المشاركة و الانتماء مع الحفاظ على حقوق الناس وفق رهانات متفق عليها سواء بالإجماع أو بالتفاوض ؟؟ أم من خلال  مواكبة التطور الحاصل داخل المجتمع وفق مفهوم حداثي  من قبيل تنزيل مشروع الجهوية المتقدمة أو بناء نموذج تنموي جديد  لترسيخ قيم جديدة تعطي  المكانة اللازمة للجهة و الإقليم و الجماعة  في بلورة تصوراتهم التنموية.

كل هذا و ذاك يدعونا إلى القول بأن المخططات و البرامج يجب أن تنبثق انسجاما و الحاجيات الضرورية والملحة للساكنة المحلية،  وأن ينزاح المجال المحلي عن مركزية المركز الذي هو في حد ذاته خاضع للرأسمالية المتوحشة التي تؤمن فقط بالاستغلال، وفسح المجال للكفاءات المحلية التي تدرك محيطها أكثر، للاضطلاع بأدوار أساسية  حاسمة للنهوض بالعالم القروي، و هذا  لن يتحقق إلا في ظل وجود دولة  عصرية  و ديمقراطية و شريكة للفاعل المحلي، و قادرة على التأسيس  لمجتمع حداثي  يتنفس عبير التنمية.

اترك تعليقاً