كلمات جبلية ذات أصل عربي بقلم عبد الحق التويول

 كلما عدت إلى البادية في مناسبة من المناسبات لإحياء صلة الرحم بالأهل والأحباب وتجديد عهد الانتماء للأرض والتراب الذي منه خلقت وإليه أعود ، إلا ويطرق مسامعي كلمات وينساب على لساني ويجري في تداولي اليومي مصطلحات جبلية صرفة لمسميات عدة وأشياء كثيرة أجد نفسي بحاجة إليها ، إما لاستعمالها في نوالي اليومي أو للذهاب إليها باعتبارها أسماء لأماكن خاصة ، وهذه الكلمات الجبلية قد يعتقد أي زائر للبادية أنها كلمات ذات صنع محلي ونتاج لتواطؤ أهل البادية عليها دون أن يكون لها أي علاقة باللسان العربي ، لكن الحقيقة أن أغلب الكلمات الجبلية ( جبال تاونات بالذات ) ذات جذر لغوي عربي قح ، وقد تعرضت لعوامل النحت اللغوي فطرأ على بعضها التفخيم وعلى بعضها الترقيق وعلى بعضها الإمالة وما إلى ذلك من العوامل التي أخرجتها عن أصلها و جعلتها تبدو وكأنها غير عربية ، ولذلك أمثلة كثيرة أذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر : – البْرْمة (بتسكين الباء والراء مع فتح الميم) : كلما ذهبت إلى البادية أحتاج فور وصولي إلى أخذ حمام ساخن  لأزيل أثار العياء والتعب الذي لحق بي جراء السفر وطول الطريق ومشقته ، وطبعا لن أحصل على ماء ساخن إلى بوجود ( البْرْمة) مع قليل من الحطب الذي يعوض قنينة الغاز في الحاضرة ، وكذلك إذا احتجت للوضوء فلا بد من البْرْمة وكذلك في كل شأن يُحتاج فيه للماء الساخن ، ولا يمكن بتاتا أن تجد بيتا في باديتنا يخلو من البْرْمة فهي حاضرة حضور الماء والهواء ، والبرمة بكل بساطة هي ذلك القدر الذي يستخدم لتسخين الماء.

إذا عدنا إلى اللغة العربية وبحثنا عن ( البْرْمة) فإننا سنجدها مشتقة من فعل برم قال الرازي في مختار الصحاح : (بَرِمَ) بِهِ مِنْ بَابِ طَرِبَ وَ (تَبَرَّمَ) بِهِ أَيْ سَئِمَهُ وَ (أَبْرَمَهُ) أَمَلَّهُ وَأَضْجَرَهُ وَأَبْرَمَ الشَّيْءَ أَحْكَمَهُ. وَ (الْمُبْرَمُ) مِنَ الثِّيَابِ الْمَفْتُولُ الْغَزَلِ طَاقَيْنِ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمُبْرَمُ وَهُوَ جِنْسٌ مِنَ الثِّيَابِ. وَ (الْبِرَامُ) بِالْكَسْرِ جَمْعُ (بُرْمَةٍ) وَهِيَ الْقِدْرُ. وقال الفيومي في مصباحه : ب ر م : الْبُرْمَةُ الْقِدْرُ مِنْ الْحَجَرِ وَالْجَمْعُ بُرَمٌ مِثْلُ: غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ . وجاء في معجم بحار الأنوار : والبرمة: القدر مطلقاً، وهي في الأصل ما اتخذ من الحجر وجمعها برام . من هنا يتبن أن البْرْمة بالتسكين هي في الأصل بُرمة بالضم وهي كذلك في أصل صنعتها تتخذ من الحجارة ، لكن في زماننا هذا الغالب عليها أنها تتخذ من غير الحجارة ( النحاس مثلا) وهي مبرمة أي محكمة الصنع ويبرم بها الإنسان ( أي يطرب) إيما إبرام خصوصا بعد أخذ حمام ساخن بمائها في مكان يسمى ب (لمْسْسْحام) . – لْمْسْتْحام ( هكذا بتسكين الميم والسين والتاء على التوالي مع فتح الحاء ) : وهو عبارة عن حمام صغير غالبا ما يأخذ حيزا داخل غرف البيت ، وخاصة غرفة النوم حيث تجدها مقسمة إلى قسمين قسم للنوم والجلوس غالبا ما يكون مزودا بالأفرشة وقسم أخر مضمن في الغرفة وهو( لمْسْتْحام ) الذي غالبا ما يزود بمجرى لتصريف الماء خارجا بعد الاستحمام ، و(لمْسْتْحام ) كما هو ظاهر مأخوذ من حميم ، قال الفيومي : وَالْحَمِيمُ الْمَاءُ الْحَارُّ وَاسْتَحَمَّ الرَّجُلُ اغْتَسَلَ بِالْمَاءِ الْحَمِيمِ ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اُسْتُعْمِلَ الِاسْتِحْمَامُ فِي كُلِّ مَاءٍ . ومنه الحمّة قال المطرزي : (الْحَمَّةِ) وَهِيَ الْعَيْنُ الْحَارَّةُ الْمَاءِ (وَالْحَمَّامُ) تُذَكِّرُهُ الْعَرَبُ وَتُؤَنِّثُهُ وَالْجَمْعُ الْحَمَّامَاتُ (وَالْحَمَّامِيُّ) صَاحِبُهُ (وَاسْتَحَمَّ) دَخَلَ الْحَمَّامَ (وَفِي الْحَدِيثِ) «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيهِ» وَيُرْوَى فِي مُغْتَسَلِهِ وَتحمم غَيْرُ ثَبْتٍ . هذا ومما يجب الإشارة إليه أن بعض الغرف قد تجد فيها (لمْسْتحام) والبعض الآخر قد تجد فيه ( الوْضّاية) . – لوْضّاية : إذا كان ا(مستحام ) هو مكان الإستحمام فإن (لوضاية ) هي مكان الوضوء والجامع بينهما هو تواجدهما في حيز من غرف البيت كما قلنا ، لكن الفارق الشكلي أن ( لوضاية ) يفصل بينها وبين مكان النوم والجلوس بسور وباب في الغالب ، بينما ( لمستحام ) لا سور يفصل بينه وبين مكان النوم وإنما يفصل بينهما بدرج منخفض عن مستوى الغرفة فقط وكلاهما مزود بمجرى لتصريف الماء خارج البيت . – لْسْطوان : هذا وبعد الاستحمام والوضوء قد لا يحلو الجلوس إلا في ( لسطوان ) والاسترخاء فيه والاستمتاع ببرودته الطبيعية خصوصا في فصل الصيف حيث تلتهب الغرف ويعسر الجلوس فيها بفعل ارتفاع درجات الحرارة ، لكن مع وجود ( لسطوان) المكيف طبيعيا فلا مجال للاشمئزاز أو الشعور بالقنط أو الضجر من لسعات الحر ، ولعل السبب في اعتدال جو ( لسطوان) وتميزه عن باقي الغرف بالبرودة المعتدلة صيفا وبالدفء شتاء هو تواجده أسفل الغرف ذلك أنه يراعى في البناء وضع ( لسطوان ) أولا تم تشيد فوقه الغرفة ، وهو ما يشبه في البناء العصري في المدن الطابق السفلي والذي لا محالة يتميز ببرودة زائدة خصوصا في فصل الصيف بخلاف الطوابق العليا في المسكن التي تتميز بشدة الحر . هذا هو لسطوان باختصار ، لكن إذا رجعنا إلى أصل هذه الكلمة فإننا سنجدها تعود لمادة سطن ، قال الرازي سطن : الأسطوانة السارية ، وقال ابن منظور : جمل أُسطون : طويل العنق مرتفع . يتبن من هذا أن ( لسطوان) إنما يطلقه أهل باديتي ويجعلونه بمثابة السارية التي تحكم البناء وتجعله متينا ، وكذلك لأن ما يشيد فوقه من غرف تبدو بوجود لسطوان تحتها عالية ومرتفعة وتبدو للعيان من مسافات بعيدة .

هذا وتجدر الإشارة أيضا إلى أنما يميز لسطوان غالبا ويساهم في تكيفيه صيفا والمحافظة على دفئه شتاء هو عدم توفره على نوافذ كثيرة اللهم إلا نافذة وحيدة في الغالب تسمى ( الطّاقّة) . – الطّاقّة ( بتشديد الطاء والقاف معا ) : والطّاقّة هي تلك النافذة الصغيرة وإنما سميت كذلك لأنها مصدر الطاقة وهي المزود الرئيسي ل( لسطوان) بالهواء وأشعة الشمس الكافية والتي تجعل منه مكيفا بطريقة طبيعية كما قلنا قبل قليل . – أخْرُوق : كذلك من الكلمات الجبلية التي يشيع استعمالها في البادية كلمة ( أخروق ) والتي تطلق على ذلك الفراغ الذي يفصل في البناء بين غرفة وغرفة ويستغل في الغالب لوضع بعض المتلاشيات والأغراض التي يحتاج إليها في وقت من الأوقات كالمحراث والمنشار والفأس والقصدير ….، وما إلى ذلك من الأشياء . لا شك أن كلمة ( أخروق) تحيلنا مباشرة على الخرق ، جاء في معجم العين للخليل الفراهدي قوله : خَرَقْــتُ الثوب إذا شققته. وخَرَقْــتُ الأرض إذا قطعتها حتى بلغت أقصاها. وبه سمي الثور مِخْراقاً والإختراقُ: المرورُ في الأرض غبر طريقٍ عرضاً. واخْتَرَقْتُ دار فلان: جعلتها طريقا لحاجتك. والــخَرقُ: الشق في حائطٍ، أو ثوبٍ ونحوه فهو مخروق . وهذا ما أكده ابن منظور في لسانه قال : الــخَرْق: الفُرجة، وجمعه خُروق؛ خَرَقــه يَــخْرِقُــه خَرْقــاً وخرَّقــه واخْتَرَقه فتــخَرَّق وانــخرَق واخْرَوْرَق، يكون ذلك في الثوب وغيره. وفي القرآن الكريم نجد قول الله تعالى على لسان موسى عليه السلام ( أخرقتها لتغرق أهلها) وذلك بعد أن أحدث الخضر عليه السلام خرقا وشقا بسفينة المساكين كما في القصة المعروفة . وعليه فإن كلمة ( أخروق ) إنما تعود في أصلها إلى الخرق وهو كما جاء في أمهات معاجم اللغة يقصد به الشق والفرجة التي تكون سواء في الثوب أو الحائط ونحوهما ، وإنما نطلقها خاصة على الفرجة والفاصل بين غرفتين ، وإذا أطلقناها على المقطوع من الثوب لم نسمها ( أخروق ) وإنما نسميها ( خرقة ) وهي تلك القطعة من الثوب التي تحل محل حفاظات الأطفال في زماننا . – كاز ليهن ( الكاف تنطق G ) : كذلك من العبارات الجبلية الأصيلة التي نوظفها إذا أردنا أن نخبر بانتقال شخص إلى مكان ما ( كاز ليهن) ، وهي تتكون من ثلاث مقاطع ( كاز) و( لي )و( هن) ، وبالنسبة للكلمة الأولى (كاز) والتي قلت أن الكاف فيها تنطق على طريقة نطق حرف ( G ) الأعجمية ، ما هي إلى تحريف لكلمة جاز، قال الفيومي في مصباحه : جَازَ الْمَكَانَ يَجُوزُهُ جَوْزًا وَجَوَازًا وَجِوَازًا سَارَ فِيهِ . وقال الرازي في مختار الصحاح : (جَازَ) الْمَوْضِعَ سَلَكَهُ وَسَارَ فِيهِ يَجُوزُ (جَوَازًا) وَ (أَجَازَهُ) خَلَّفَهُ وَقَطَعَهُ وَ (اجْتَازَ) سَلَكَ. وَ (جَاوَزَ) الشَّيْءَ إِلَى غَيْرِهِ وَ (تَــجَاوَزَــهُ) بِمَعْنًى، أَيْ (جَازَهُ) . وقال الجوهري في تاج اللغة : جُزْتُ الموضع أجوزُهُ جَوازاً: سلكته وسرت فيه. وأَجَزْتُهُ: خَلَّفْتُهُ وقطعته. قال امرؤ القيس: فلما أجزنا ساحة الحى وانتحى * بنا بطن خبت ذى قفاف عقنقل . وإذا تبين من هذا أن أصل (كاز) ( gaz) هو جاز المفيد لمعنى الجواز وهو السلوك والمسير ، فإن الشق الثاني والثالث من العبارة ( ليهن ) هو اختصار لعبارة : إلى هناك ، فيكون معنى جاز ليهن هو جاوز إلى هناك أي سلك وعبر وانتقل إلى هناك ، وإذا أردت الأمر قلت كوز ( goz ) أي اسلك واعبر . وعلى ذكر الجواز والعبور أرجو أن أكون قد وفقت في العبور بكم معشر القراء من خلال هذه الكلمات البدوية الجبلية محاولا الرجوع بكم إلى أصلها العربي الصرف ، وتقبلوا مروري إلى أن أوافيكم بكلمات أخرى كثيرة في مناسبة قادمة بحول الله ذات استعمال دارج لكنها ذات جذور عربية أصيلة .

التعليقات مغلقة.