نبيل التويول : قضية تعذيب الطالب الجامعي أيوب الراجي، ملف قضائي ؟؟ أم جعجعة بلا طحين ؟؟

لا يختلف إثنان في كون مقالة الأستاذ عبد النبي الشراط المنشورة عبر دعامة رقمية في قضية التعذيب الذي تعرض له الطالب الجامعي أيوب الراجي داخل قيادة سلاس بجماعة أورتزاغ، تنطوي على انحياز صارخ إلى أحد أطراف ملف قانوني معروض على القضاء، و تتماثل إلى حد التشابه مع حيثيات حاولت من قبله بعض الجهات توظيفها إعلاميا بخلفية سياسية مشبوهة.

فإذا كان الأصل في العمل الصحفي المهني هو الوقوف على نفس المسافة من جميع الأطراف بحيادية تامة، و بمعزل عن أي توظيف سياسي مقيت لقضايا رائجة، فإن أصحابنا ممن اعتادوا الركوب على أية قضية تستأثر باهتمام الرأي العام لم يجدوا أي حرج أخلاقي في اصطفافهم ضد مواطن أعزل ضحية رجل سلطة يتمتع بنفوذ سلطوي و بحماية قانونية أثناء مزاولته لعمله، ويتمتع بامتياز قضائي يحول دون متابعته كما يتابع الأشخاص العاديون.

و في منأى عن هذا اللغط الإعلامي الذي يحاولون الترويج له بنية مبيتة، فإن الواقعة التي وثقها محتوى إلكتروني صوتي، تؤكد التعذيب الذي تعرض له الضحية أيوب الراجي بشكل لا يدع مجالا للشك، و بما يتعارض مع هذه الروايات المعيبة التي يحاول بعض الذين اختاروا الاصطفاف إلى جانب الظنين منذ الوهلة الأولى تسويقها عبر كتابة مقالات بالوكالة و على المقاس، عبارة عن مرافعات إعلامية تفتقد لمبدأ الحياد الموضوعي إزاء جميع الأطراف في قضية باتت معروضة على أنظار النيابة العامة المختصة بمحكمة الاستيناف بفاس في انتظار أن تأخذ مجراها القانوني.

كما أن المنطق الحقوقي السليم يفرض مسك العصي من الوسط. من حق الظنين، أن يحاكم محاكمة عادلة، ومن حق المدعي كذلك أن تؤخذ شكايته بعين الاعتبار” و هو الموقف الحقوقي الذي يؤكد بوضوح بأن المغاربة سواسية أمام القانون، ولا فرق بينهم، و بأن ليس هناك مواطنين من الدرجة الأولى ورعايا من الدرجة الثانية. و عطفا على هذا الطرح، يكفي أن نستدل هنا بموقف أم الوزارات التي سارعت إلى إجراء بحث إداري مباشرة بعد رصدها لمحتوى صوتي مكنها من الاقتناع الصميم بضرورة توقيف القائد و إحالته على المجلس التأديبي.

و في الوقت الذي لا يمكن أن ننكر التقدم الذي أحرزته بلادنا فيما يتعلق بممارسة التعذيب مقارنة بما حدث خلال سنوات الرصاص، إلا أن ادعاءات الضحية بتعرضه لاعتداء جسدي مؤيد بشهادة طبية و بتعرضه لضغط معنوي شديد خلال استجوابه من طرف الظنين الذي أرغمه على توقيع وثيقة تدينه من دون قراءة محتواها تحت وابل من السب و القذف و التهديد و هي الوقائع المثبتة بوسائل علمية حديثة، تؤكد بوضوح الطابع الجنائي للملف، و توثق لممارسات تعود بنا إلى زمن البصري و لسلوكيات مخالفة للدستور المغربي و القانون الجنائي و المواثيق الدولية.

و بعيدا عن لغة الاصطفافات السياسية و المرافعات الإعلامية بالوكالة، فقد وضع المشرع الدستوري المغربي مجموعة من النصوص القانونية الضامنة للرجل والمرأة، على قدم المساواة، التمتع بالحقوق والحريات، الواردة في الباب الثاني من أحكام الدستور، وفي مقتضيات أخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب . حيث ينص الفصل 22 من دستور المملكة على أنه لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة. و لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية. كما أن ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون.

و ينص الفصل 23 منه على أنه لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته، إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون. الاعتقال التعسفي أو السري والاختفاء القسري، من أخطر الجرائم، وتعرض مقترفيها لأقسى العقوبات، و يحظر هذا الفصل كل تحريض على العنصرية أو الكراهية أو العنف. و يُعاقب على كافة الانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق الإنسان.

و ينص الفصل 36 منه على أن القانون يعاقب على الشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز.

و يعرف القانون الجنائي المغربي التعذيبَ بأنه كل فعل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسدي أو نفسي، يرتكبه عمدا موظف عمومي أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه، في حق شخص لتخويفه أو إرغامه، أو إرغام شخص آخر على الإدلاء بمعلومات أو بيانات أو اعتراف ﺑﻬدف معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص آخر، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية.

كما أن المملكة المغربية تعد طرفًا في معظم معاهدات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي تحظر التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، بما فيها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة.

و يبقى السؤال الذي يطرح نفسه بقوة إزاء هذه النازلة القانونية التي تخضع لقواعد اختصاص استثنائية بالنظر إلى الامتياز القضائي الذي يتوفر عليه الظنين، حول حدود السلطة التقديرية للرئيس الأول لمحكمة الاستيناف الذي ستعرض عليه القضية من طرف الوكيل العام للملك، في اعتماد أو رفض قبول وسائل الإثبات ذات الطبيعة التقنية العلمية في قضية التعذيب الذي تعرض له الطالب الجامعي أيوب الراجي، و مدى قانونية التسجيل الصوتي الذي يؤكد على حجيته المطلقة كدليل جنائي، والذي استند عليه دفاعه أيضا، على اعتبار أن المبدأ هو حرية الرئيس الأول لمحكمة الاستيناف في تقرير ما إذا كان الأمر يقتضي إجراء بحث، و في حالة الإيجاب يعين مستشارا مكلفا بالتحقيق بمحكمته. حيث أنه إذا تعلق الأمر بجناية، فان المستشار المكلف بالتحقيق يحيل القضية على غرفة الجنايات، أما إذا تعلق الأمر بجنحة فانه يحيل القضية على محكمة ابتدائية غير التي يزاول المتهم مهامه بها.

لكن يتضح من خلال التأمل في بعض القضايا الجنائية التي استأثرت باهتمام الرأي العام الوطني و الدولي، من قبيل قضية اغتيال النائب البرلماني مرداس أمام باب منزله بحي كاليفورنيا بالدار البيضاء سنة 2017 التي اعتمد فيها القضاء على التصنت على أجهزة الهاتف، أو قضية الصحافي توفيق بوعشرين الذي أدين بأحكام ثقيلة بسبب تسجيلات فيديو موثقة، أو حتى قضية الصحافي سليمان الريسوني التي اعتمدت فيها النيابة العامة على تدوينة مجهولة الاسم بدعامة إلكترونية، (يتضح) توفق المشرع القانوني إلى حد كبير في استيعاب أحدث ما توصل إليه العلم في مجال وسائل الإثبات ذات الطبيعة التقنية.

غير أنه من السابق لأوانه القول باعتماد أو رفض قبول نتائج و سائل الإثبات التقنية العلمية في هذا الملف بالنظر إلى تمتع الظنين المنسوب إليه ارتكاب جرائم موثقة بتسجيل صوتي، بالامتياز القضائي الذي يخول له إجراءات خاصة في البحث والتحقيق معه وفي محاكمته. و هي إجراءات تسهل إفلاته من العقاب لكونها تحول دون متابعته كما يتابع الأشخاص العاديون عن طريق الشكايات المباشرة أو بموجب قرارات صادرة عن النيابة العامة أو عن قضاة التحقيق.

نبيل التويول طالب باحث بكلية الحقوق السويسي بجامعة محمد الخامس.

التعليقات مغلقة.